Menü
  • Fikri Bağımsızlık
  • Intellectual Independence
  • ا لا ســتقلا ل ا لفكــر ي
  • İbn Haldun Üniversitesi'nin aylık gazetesidir.
  • Açık Medeniyet Gazetesi

تحت التراب

بعيداً عن ضوضاء الحياة و مشاغلها، مقتنصةً لحظات كنت قد استعرتها من أيامٍ تتقلب ساعات النهار فيها  بسرعة البرق ، أحببت أن أكتب عن حقيقة لطالما حاولت أعمالنا و مواعيدنا و واجباتنا -التي لم تترك لنا مجالا للتفكير بغيرها- إخفائها , لعلنا ننساها و لربما نتناساها عمداً, هرباً من مواجهتها. إنها حقيقة ما تحت التراب

هناك في أعماق الأرض أناس عاشوا قبلنا وربما معنا شاهدوا وعرفوا و عاصروا أجزاءً كبيرة مما نفعله ونقوله ونفكر به كل يوم في جميع مناحي حياتنا… ثم مضوا , مضوا في لحظة توقف أفكارهم ومعتقداتهم عندَ نقطةٍ ما. هناك ثبتت الحقائق عندهم, تركوها مجمّدةً في أحداقهم فأغمضوا عليها جفونهم ومضوا في قلوبهم غصّات كثيرة وآلام وربما آمال عريضة خلفوها, هي إرثهم الذي بقي بعدما رحلوا ونحن ورثَتُهم إن أقرّينا بهذا الإرث أو نكرْناه… هكذا بدا لي حقهم في حياةٍ هجروها و نَأووا عنها وصاروا فيها مجرد أسماء ذكرياتٍ وبعض صور.

بذهولٍ وشوقٍ وحسٍ جماليٍ فريد قرأت هذه الأبيات ذات ماضٍ قريب للشاعر نزار قباني, وما دريت انها ستفجر في داخلي كل ذلك الزخم من مزيج النقمة والرغبة بالتبرّءِ وإعلان الرفض العميق لقبول ذلك الذي جاء فيها كجزءٍ من هويتي والاستمرار في حمله إلى الأبد

رسالة من تحت التراب

من هــا هـنـا..

من عالمي الجميل.،

أريد أن أقول للعرب..

الموت خلف بابكم ..

الموت في أحضانكم..

الموت يوغل في دمائكم..

وأنتم تتفرجون ..

وترقصون ..

وتلعبون ..

وتعبدون أبا لهب !!!

والقدس يحرقها الغزاة ..

وأنتم تتفرجون ..

وفي أحسن الأحوال..

تلقون الخطب !!!

لا تُقلقوا موتي ..

بآلاف الخطب !!!

أمضيت عمري أستثير سيوفكم ..

واخـــجــلـتاه …

سيوفكم صارت من خشب !!!

من ها هنا ..

أريد أن أقول للعرب ..

يا إخوتي..

لا…

لم تكونوا إخوة !!

فأنا ما زلت في البئر العميقة .،

أشتكي من غدركم ..

وأبي ينام على الأسى ..

وأنتم تتآمرون ..

وعلى قميصي جئتم بدم كذب !!!!!

واخــــجـلـتاه …

أول انطباعٍ قفز إلى ذهني بعد قراءة هذه الأبيات هو الإحساس العميق بالخيانة , بل بمرارة الخيانة التي تذوقها الشاعر فعكسها في ابياته -- الخيانة لكل ما يبدو في عين المنطق قيّماً ذا معنى .. ثم رويداً رويداً بدأت الصورة تتبين لي بالقراءات والمتابعات والتفكير المتأني . هل حقاً اقترنت الخيانة بتاريخ العرب وحدهم دون غيرهم من الأمم والشعوب ؟ ولماذا استمرت هذه السمة كالظل ترافقهم في مجمل الخطوب والأحداث التي مرت بهم؟  و لماذا ارتقت لتصبح صفةً دامغةً لهم, دون غيرهم, إلى أن قيل عنهم.. إذا مات العرب ماتت الخيانة" وبعيداً عن السياسة والحروب والاقتتال والفتن, رحت أمعن النظر في هذه الصفة التي أول ما تفتك, تفتك بصاحبها ذاته وبدا لي أنها بالرغم مما أوصلت حال العرب إلى ما هم عليه الآن, فإنها لا تقتصر على العرب وحدهم بل قد يحملها كل إنسان مهما كان لونه أو جنسه أو عرقه.
وتأملت في حياتنا, في مجتمعاتنا, في بيوتنا, في نفوسنا, بل حتى بين أضلعنا , كم من خيانةٍ تقبع في ظلام بَاطننا, لا نريد أن يطلع عليها أحد!  نمارسها ليل نهار دون أن نعترف بإسمها ! او حتى ان نقرَّ بأنها خيانة! هي في حقيقتها تفريطٌ في ما أؤتمنّا عليه! ولربما ما أؤتمنّا عليه أثمن من أي مال,  فالله تعالى يقول في كتابه العزيز:

"ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوّانً أثيما" [سورة النساء, آية 107]

ولئن كانت الأمانة التي هي نقيض الخيانة تقتضي منّا أن تردّ المال (مثلاً) لأصحابه, فإن مفهوم الخيانة والأمانة لا يقتصر على المال فقط بل يتعداه إلى كل ما هو محل عهد وثقةٍ وذمةَ, كالعِرض,  والسّر , و خُصوصياتنا, وخصوصيات الآخرين, وقد تتمثّل الخيانة في الإخلال بأداء العمل , أو القيام بالوظيفة على غير الوجه المطلوب , والأداء غير المناسب, وبهذا التعريف يشترك مجمل الناس ومجمل المهن ومجمل المهمات, فالكل فيه سواء,  ولعل الطلاب الذين غادروا اهاليهم وبيوتهم بل وبلدانهم يسعون في طلب العلم , لَهم أولى الناس بأداء الأمانة, لأن من وراءهم من يتحرّق شوقاً لقطف ثمار أدائهم الأمانة , التي سَتزهر في مستقبلهم ومستقبل مجتمعهم وأمّتهم قاطبةً .

وتبصرت في حال شبابنا وحال طلابنا وحال مثقفينا وحال أولياء أمورنا وحال كلِ ذي حالٍ منّا , فوجدت أنَّ آمالاً تولد مع كل مولودٍ جديدٍ يحمل فطرته النقية ليصافح بها الحياةِ حديثَ عهد..

ذلك الموجود الجديد لم يصفه الله بالخوّان الأثيم إلا من بعد أن ينغمس في أشكال سوء التربية وعَفن المفاهيم الباطلة والضلالات المتنوعة ..

واستبشرت خيريةً عذبةً في نفسِ الإنسان الرجّاعِ التواّب الذي لا يكاد يلامس خللاً سلوكياً أو فكرياً إلّا ويرتدّ عنه ليصلحه ويقومه متخذاً في ذلك كل ما أوتيَ من تدابير وخطوات..

وقفت أمام مرآتي انظر في عمق عينييَ , بحثت بلهفة في سواد البؤبؤِ عن بريقٍ مضيئٍ ينبعث من أعماق قلبي.. خاطري.. وجداني.. يضيء دربي .. يمتد بعيداً بعيداً .. يصل إلى التراب الذي سيضمني ذات يوم, وإلى حقيقةَ ما تحت التراب الذي سأرقدُ فيه مع من رقد قبلي وتتجمد الحقيقة عند لحظةٍ اغمض فيها جفوني وأترك لمن بعدي إرثاً,  خططتُه لنفسي طيلة عمري, وجاهدت فيهِ حثيثاً, فوجدت الأمانة خير إرث, وخير طريق, ووجدت أن استبدال الخيانة بالأمانةِ هو القانون الذي استقامت عليها فطرة الإنسان منذ عرضَ الله عليه الأمانة فحملهَا, وأبت الأرض والسماوات والجبال أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولا.